فخر الدين الرازي

235

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ وذلك لأن القوم آمنوا باللّه حين قالوا : في الآية المتقدمة آمَنَّا بِاللَّهِ ثم آمنوا بكتب اللّه تعالى حيث قالوا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وآمنوا برسول اللّه حيث ، قالوا وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فعند ذلك طلبوا الزلفة والثواب ، فقالوا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ وهذا يقتضى أن يكون للشاهدين فضل يزيد على فضل الحواريين ، ويفضل على درجته ، لأنهم هم المخصوصون بأداء الشهادة قال اللّه تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [ البقرة : 143 ] الثاني : وهو منقول أيضا عن ابن عباس فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ أي اكتبنا في زمرة الأنبياء لأن كل نبي شاهد لقومه قال اللّه تعالى : فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [ الأعراف : 6 ] . وقد أجاب اللّه دعاءهم وجعلهم أنبياء ورسلا ، فأحيوا الموتى ، وصنعوا كل ما صنع عيسى عليه السلام . والقول الثالث : فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ أي اكتبنا في جملة من شهد لك بالتوحيد ولأنبيائك بالتصديق ، والمقصود من هذا أنهم لما أشهدوا عيسى عليه السلام على إسلام أنفسهم ، حيث قالوا وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ فقد أشهدوا اللّه تعالى على ذلك تأكيدا للأمر ، وتقوية له ، وأيضا طلبوا من اللّه مثل ثواب كل مؤمن شهد للّه بالتوحيد ولأنبيائه بالنبوّة . القول الرابع : إن قوله فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ إشارة إلى أن كتاب الأبرار إنما يكون في السماوات مع الملائكة قال اللّه تعالى : كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [ المطففين : 18 ] فإذا كتب اللّه ذكرهم مع الشاهدين المؤمنين كان ذكرهم مشهورا في الملأ الأعلى وعند الملائكة المقربين . القول الخامس : إنه تعالى قال : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ [ آل عمران : 18 ] فجعل أولو العلم من الشاهدين ، وقرن ذكرهم بذكر نفسه ، وذلك درجة عظيمة ، ومرتبة عالية ، فقالوا : فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ أي اجعلنا من تلك الفرقة الذين قرنت ذكرهم بذكرك . والقول السادس : أن جبريل عليه السلام لما سأل محمدا صلى اللّه عليه وسلم عن الإحسان فقال : « أن تعبد اللّه كأنك تراه » وهذا غاية درجة العبد في الاشتغال بالعبودية ، وهو أن يكون العبد في مقام الشهود ، لا في مقام الغيبة ، فهؤلاء القوم لما صاروا كاملين في درجة الاستدلال أرادوا الترقي من مقام الاستدلال ، إلى مقام الشهود والمكاشفة ، فقالوا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ . القول السابع : إن كل من كان في مقام شهود الحق لم يبال بما يصل إليه من المشاق والآلام ، فلما قبلوا من عيسى عليه السلام أن يكونوا ناصرين له ، ذابين عنه ، قالوا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ أي اجعلنا ممن يكون في شهود جلالك ، حتى نصير مستحقرين لكل ما يصل إلينا من المشاق والمتاعب فحينئذ يسهل علينا الوفاء بما التزمناه من نصرة رسولك ونبيك . ثم قال تعالى : وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ وفيه مسائل : المسألة الأولى : أصل المكر في اللغة ، السعي بالفساد في خفية ومداجاة ، قال الزجاج : يقال مكر الليل ، وأمكر إذا أظلم ، وقال اللّه تعالى : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا [ الأنفال : 30 ] وقال : وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ [ يوسف : 102 ] وقيل أصله من اجتماع الأمر وإحكامه ، ومنه امرأة ممكورة أي مجتمعة